الجيش الإسرائيليّ أطلق صاروخاً على بناية فقتل اثنين من سكّان الطابق السّادس*
أسماء القتلى

أميرة عبد الفتّاح عبد الرّحمن صبح، 58 عاماً
وابنها عبد الرّحمن يوسف علي صبح، 18 عاماً

أدناه إفادة معاذ صبح (29 عاماً) أب لطفلة وهو ابن أميرة وشقيق عبد الرّحمن:

أنا أقيم مع أسرتي في حيّ الرّمال في مدينة غزّة، وتقيم والدتي في الطابق السّادس من بناية ذات سبع طوابق قرب مسجد السّوسي في مخيّم الشاطئ للّاجئين مع إخوتي العازبين عبد الرّحمن وبراء وأنس إضافة إلى أخي علي وزوجته نسمة.

في يوم الاثنين الموافق 10.5.21 ذهبت مع زوجتي وطفلتنا لتناول إفطار رمضاني في منزل والدتي وبقينا هناك حتى السّاعة 1:30 بعد منتصف اللّيل. كان لديّ شعور أنّ هناك تصعيد أمنيّ فاقترحت على والدتي وإخوتي أن ينتقلوا إلى منزلنا. صحيح أنّ منزلنا قريب إذ يقع على مسافة أقلّ من كيلومتر ولكنّني ارتأيت أنّه من الأصحّ أن نكون معاً في منزلي خاصّة وأنّ أخي معاذ يعاني من شلل دماغيّ لكنّ والدتي رفضت.

عُدنا إلى المنزل ولكنّني لم أكن مطمئنًّا. في الصّباح أدّيت صلاة الفجر وتوجّهت إلى منزل والدتي. وصلت إلى الشارع الذي يقيمون فيه نحو السّاعة 4:30 فجراً وبينما كنت على بُعد خمسين متراً تقريباً من بنايتهم سمعت انفجاراً قويّاً جدّاً ثمّ تعالى الغبار والدّخان وصرخات الأهالي. لقد قصفوا البناية التي تقيم فيها والدتي وإخوتي.

أردت الدّخول إلى البناية لكنّ الناس هناك منعوني من ذلك لأنّهم يخشون أن يقع قصف ثانٍ واقترحوا عليّ أن أنتظر وصول سيّارات الإسعاف والدّفاع المدنيّ. حاول الناس التخفيف عنّي. قالوا إنّهم رأوا أخي عليّ في المسجد وإنّهم صلّوا برفقته. أحسست أنّني على شفى انهيار عصبيّ، إذ كنت على يقين أنّ أفراد عائلتي قد قُتلوا. شاهدت الطابقين السّادس والسّابع مدمّرين تماماً كما لو أنهما يبدوان طابقًا واحدًا. لم يكن لديّ بصيص أمل أن ينجو أحد من عائلتي.

بعضُ الجيران صعدوا بأنفسهم إلى منزل والدتي ثمّ عادوا وقالوا إنّ أخويّ براء وعليّ وزوجته نسمة أحياء. أمّا عن والدتي وأخي عبد الرّحمن فقد قالوا “لم نجدهم، يجري البحث عنهم الآن ولكنّ الوضع صعب”. لاحقاً قالوا لي إنّ والدتي مُصابة وهي الآن في الطريق إلى المستشفى وإنّ عليّ التوجّه إلى هناك. عندما وصلت إلى المستشفى فهمت أنّ والدتي قُتلت. احتضنتها وقبّلت جثمانها وأنا أصرخ “قلت لكم تعالوا إلى منزلي! لماذا لم تسمعي كلامي؟!”. بعد ذلك أدخلوا والدتي إلى ثلّاجة الموتى.

 

أميرة صبح وابنها عبد الرّحمن صبح

هاتفت الجيران لكي أسمع ما أخبار أخي عبد الرّحمن. لقد مضت عليه أكثر من ساعة تحت الأنقاض وكنت متأكّداً أنّه قد قُتل لأنّه مريض ولا يقوى على التحرّك بسُهولة. بعد مدة جلبوا عبد الرّحمن إلى المستشفى ولمّا فحصه الأطبّاء في قسم الطوارئ أعلنوا وفاته ثمّ وضعوا جثمانه في ثلّاجة الموتى إلى جانب والدتي. بقيت هناك حتى السّاعة 11:00. صلّيت لأجل والدتي وأخي ثمّ أخذنا جثمانيهما إلى منزل شقيقتي هالة وهو يقع قرب مستشفى الشفاء، وهناك ألقى الجميع عليهما نظرة الوداع في جوّ ساده الحزن العميق.

فقدت والدتي وأخي فجأة في قصف حدث أمام عينيّ! لقد كانت لي حياة سعيدة مع عائلتي، مع أمّي وإخوتي. لقد كانت أمّي كلّ شيء في حياتي فأنا فقدت والدي في العام 2003. لقد عشت يتيم الأب سنوات طويلة وها قد تيتّمت الآن يتيم الأمّ أيضاً. أنا لا أزال تحت وقع الصّدمة وأتذكّر والدتي في كلّ لحظة. خلّصت من بين الأنقاض بعضاً من أغراضها الشخصيّة وأغراض أخي عبد الرّحمن لكي تبقى عندي للذكرى.

كانت أمّي تدعو الله دائماً أن يجعل يومها ويوم عبد الرّحمن معاً أي أن يموتا في اليوم نفسه وها هو سبحانه وتعالي قد استجاب لدعواتها. كان عبد الرّحمن ملاصقاً لأمّي طوال الوق لا يفارقها ولو لحظة واحدة وكان يحاول أن يساعدها رغم العجز الذي يعانيه. كان بينهما رابط قويّ جدّاً. حالة شقيقتي هالة النفسيّة سيئة جدّا الآن. هي أختنا الوحيدة وقد كانت تربطها بأمّي علاقة وطيدة جدّاً. كانت تأتي لزيارتها يوميّاً أو تتحدّث معها هاتفيّاً إذا تعذّرت الزيارة. أدعو الله أن يصبّرها ويعينها على تحمّل هذا الألم ويعيننا جميعاً. رحمة الله عليهم وأفسح لهُم مكاناً في جِنانه.

لم يكن هناك أيّ سبب لقصف البناية وقتْل والدتي وشقيقي. والدتي كانت امرأة كبيرة في السنّ وأخي كان شخصاً ذا احتياجات خاصّة. فوق ذلك قصف الجيش الإسرائيلي دون أيّ إنذار مسبق. هذا هو “بنك الأهداف” الذي يتحدّث عنه جيش إسرائيل: أمّي وأخي عبد الرّحمن.

  • هذه الإفادة سجّلتها ألفت الكُرد في 9.6.21.
Mu’az Subuh, 29, a father of one, Amirah’s son and ‘Abd a-Rahman’s brother
معاذ صبح

في الصّباح أدّيت صلاة الفجر وتوجّهت إلى منزل والدتي. وصلت إلى الشارع الذي يقيمون فيه نحو السّاعة 4:30 فجراً وبينما كنت على بُعد خمسين متراً تقريباً من بنايتهم سمعت انفجاراً قويّاً جدّاً ثمّ تعالى الغبار والدّخان وصرخات الأهالي. لقد قصفوا البناية التي تقيم فيها والدتي وإخوتي.

إفادة براء صبح (27 عاماً) وهو ابن أميرة وشقيق عبد الرّحمن:

في يوم الثلاثاء الموافق 11.5.21 وصلت إلى البيت عند السّاعة 2:00 فجراً فوجدت والدتي وشقيقي عبد الرّحمن مستيقظين. كانت والدتي تقرأ القرآن. جلست لتناول الطعام مع والدتي وعبد الرّحمن ونسمة زوجة أخي ثمّ عدت إلى الصّالون. عند السّاعة 4:30 خرج أخي عليّ إلى المسجد ليصلّي الفجر وطلبت منّي والدتي أن أذهب للنوم فدخل كلّ إلى غرفته. بعد دقائق معدودة وكنت لم أغفُ بعد انهارت فوقي أنقاض المنزل. الخزانة التي في الغرفة وقعت فوقي والحائط الذي ورائي وقع في اتّجاه الشارع. كان غبار كثيف يملأ المكان فتصعّبت في التنفّس. كذلك انقطعت الكهرباء وعمّ العتم المنزل كلّه. 

تمكّنت من الخروج من تحت الأنقاض وتوجّهت إلى غرفة والدتي وعبد الرّحمن. كانت الغرفة مهدّمة تماماً. أخذت أصرخ لأنّني لم أرَ أحداً. باشرت في رفع الأنقاض لكي أنقذ والدتي وأخي. فقط في تلك اللّحظات أدركت أنّ طائرات إسرائيليّة قد قصفت المنزل ونحن في داخله. لم يكن هناك أيّ إنذار مسبق قبل القصف.

أخذت المياه تتسرب داخل المنزل من السخّانات الشمسيّة التي كانت على السّطح. صرت أركض في أرجاء المنزل بحثاً عن أخي عبد الرّحمن وبقيّة أفراد أسرتي. وجدت نسمة زوجة أخي وطلبت منها أن تهبط إلى الطابق الأرضيّ. وجدت أيضاً أخي عليّ وكان هو أيضاً يبحث عن والدتي وعن أخي عبد الرّحمن. 

في النهاية عثرنا تحت الأنقاض على والدتي وكانت جثّة هامدة. أخذت أزيل الأنقاض التي كانت تغطّيها، وفي هذه الأثناء وصلت سيّارة إسعاف وطواقم الدّفاع المدنيّ وعندئذٍ وضعت والدتي على نقّالة وطلبت من أخي عليّ أن يرافقها. بقيت في البيت وواصلت البحث عن عبد الرّحمن مع طواقم الدّفاع المدنيّ وعدد من الجيران. فجأة أحسست بوهن وضيق في التنفّس وبعد أن تلقّيت الإسعاف تمّ نقلي إلى مستشفى الشفاء.

ظلّ عبد الرّحمن تحت الأنقاض طوال ساعة ونصف السّاعة حتى عثرنا عليه ومن ثمّ نقله المسعفون إلى المستشفى. بالنظر إلى حجم الدّمار الذي لحق بالمنزل لم يكن لديّ أمل أن نجد عبد الرّحمن حيّاً؛ وفعلاً حين عثرنا عليه كان قد فارق الحياة. وجدناه جثّة بلا حراك. استشهاد أخي عبد الرّحمن أحزن قلبي كثيراً. كذلك رأيت والدتي جثّة هامدة كأنّها أرادت أن تموت إلى جانب عبد الرّحمن. نحن بدون أب وعبد الرّحمن مُقعد ولا يوجد من يعتني به من بعد والدتي. لقد كان عبد الرّحمن متعلّقاً بها كثيراً.

نقيم الآن في منزل مستأجر أنا وأخي أنس وأخي عليّ وزوجته. لكنّني وأنس عاطلين عن العمل ووضعنا الاقتصاديّ صعب جدّاً. منزلنا الذي تهدّم كلّفنا المال الكثير وفوق ذلك فقدنا تحت الأنقاض أكثر من 17,000 دولار إضافة إلى مصاغ والدتي ومصاغ نسمة زوجة أخي. هذا كلّه قد ضاع.

يخيّم علينا الحزن والألم واليأس منذ أن استشهدت والدتي وأخي عبد الرّحمن. نحن ندعو لهُم بالرّحمة طوال الوقت. لقد فقدنا والدتنا وأخانا ومنزلنا الذي قضينا فيه أيّاماً جميلة معاً. الحياة بدون والدتي صعبة لأنّني كنت أحبّها كثيراً. وفقدان أخي عبد الرّحمن صعب لأنّه كان روح البيت ونحن الآن نشتاق لابتساماته وحتى للجلبة التي كان يثيرها. أرجو من الله أن يصبّرنا على فراقهما.

  • هذه الإفادة سجّلتها ألفت الكُرد في 13.6.21.

* في الطابق السّابع يقيم ناشط في الذراع العسكريّة لحركة حماس ولا يُعلم ما إذا كان هذا هو سبب القصف، وهو لم يكن في منزله حين وقوع القصف

Baraa Subuh, 27, Amirah’s son and ‘Abd a-Rahman’s brother
براء صبح

ظلّ عبد الرّحمن تحت الأنقاض طوال ساعة ونصف السّاعة حتى عثرنا عليه ومن ثمّ نقله المسعفون إلى المستشفى. بالنظر إلى حجم الدّمار الذي لحق بالمنزل لم يكن لديّ أمل أن نجد عبد الرّحمن حيّاً؛ وفعلاً حين عثرنا عليه كان قد فارق الحياة.