الجيش الإسرائيليّ أطلق صاروخاً على منزل فقتل امرأة وأطفالها الثلاثة*
أسماء القتلى

لمياء محمد حسن العطّار، 26 عاماً

وأبناؤها الثلاثة

إسلام محمد محمود العطّار، 8 سنوات
أميرة محمد محمود العطّار، 6 سنوات
محمد-زين محمد محمود العطّار، 9 أشهُر

إفادة محمد العطّار (37 عاماً) وقد فقد زوجته وأولاده جميعاً في هذا القصف

قبل الحرب كنت أقيم في طابق أرضيّ في حيّ العطاطرة في بلدة بيت لاهيا مع زوجتي وأولادنا الثلاثة إسلام وأميرة ومحمد. في الطابق نفسه كان يقيم أخي ضياء وزوجته وأولادهما الثلاثة وفي الطابق الأوّل أخي إيهاب وزوجته وأولادهما الخمسة وإلى جواره كان أخي بهاء يقيم. في الطابق الثاني كانت تقيم والدتي صبحة العطّار مع أخي تميم.

نحن لا علاقة لنا بالتنظيمات ولا توجد في حيّنا مكاتب حكوميّة أو مبانٍ ومنشآت عسكريّة. منطقتنا هادئة جدّاً  ولذلك واصلنا حياتنا في منازلنا كالعادة في وقت الحرب أيضاً، ولكنّنا مثل كلّ سكّان القطاع كنّا نسمع بالطّبع انفجارات الصّواريخ والقذائف التي كانت تطلقها الطائرات الإسرائيليّة وسفن سلاح البحريّة الإسرائيليّ شمال غرب بيت لاهيا. وكنّا نسمع عن الشهداء والجرحى وعن المباني المدمّرة والمنازل المهدّمة في كلّ أنحاء قطاع غزّة.

في يوم الخميس ليلاً بعد منتصف اللّيل كان القصف كثيفاً في شمال القطاع – بيت حانون وشمال بيت لاهيا. توترنا جميعاً وبدأنا نشعر بالقلق والضغط الشديدين لأنّ دويّ الانفجارات كان قويّاً جدّاً وخاصّة أنّه يحدث في منتصف اللّيل وفي غياب أيّة أصوات ضوضاء أخرى. بعد مضيّ نصف السّاعة على بدء كل هذا سمعنا انفجاراً قريباً منّا كان دويّه مروّعاً. فكّرنا أنّه ربّما يفضّل أن نغادر المنزل ولكنّنا تردّدنا لأنّ الانفجارات كانت قرب المنزل تماماً. فجأة وفي لحظة واحدة وقع انفجار داخل المنزل وانهار المنزل علينا.

وجدت نفسي تحت الأنقاض ومن حولي ظلام دامس. حاولت أن أخلّص نفسي ولكنّني لم أتمكّن من ذلك. أضأت مصباح هاتفي وبحثت عن زوجتي والأولاد لكنّني لم أرهُم ولم أسمع صوت أحد منهُم.

اتّصلت بعمّي الذي يعمل مع قوّات الدّفاع المدني. قل له: “تعال بسرعة، نحن تحت الأنقاض لأنّهم قصفوا منزلنا. أنقذونا!”. وقلت له أيضاً أنّني لا أجد زوجتي والأولاد وأنّ بقيّة العائلة تحت الرّكام ولا نستطيع إنقاذهم.

بعد مضيّ أكثر من نصف السّاعة جاءت قوّات الدّفاع المدنيّ وأخذت ترفع الأنقاض – حجارة ورمل وأثاث، كلّ شيء.  بعد ساعة ونصف السّاعة وجدنا زوجتي جثّة هامدة تحتضن جثامين أولادنا الثلاثة – كلّهم قد فارقوا الحياة! انهار عليهم الباطون والرّمل فاختنقوا فورًا. عندما نظرت إليهم بدوا لي كأنّهم نائمون وصعقتني صدمة هائلة عندما استوعبت أنّهم لا يتحرّكون ولا يتنفّسون، وبأنّهم باتوا جثثًا هامدة.

إسلام وأميرة ومحمد-زين العطّار

تمّ نقلنا جميعاً إلى مستشفى كمال ناصر حيث أجريت لنا فحوصات وصور أشعّة وتلقّينا العلاج. في اليوم التالي شيّعنا الشهداء بقلوب كسيرة وحزن عظيم إلى مثواهم الأخير: زوجتي وأولادي إسلام وأميرة ومحمد.

بعد الدّفن ذهبت مع بقيّة أفراد عائلتي إلى مدرسة وكالة الغوث ولم يكن معنا شيء سوى الملابس التي نرتديها. بقينا هناك عدّة أيّام دون أكل وشرب. حصلنا بصعوبة على بعض الأغراض وبعض الطعام والشراب ممّا جلبه الأهالي المقيمين في الجوار. بعد مضيّ بضعة أيّام انتقلنا إلى منزل أحد أصدقائي لي في حيّ الصّبرة بغزّة ومكثنا عنده حتى نهاية الحرب. آنذاك توجّهنا إلى خرائب منزلنا وجلسنا فوقها ثمّ استأجرنا منازل لنُقيم فيها إلى حين إعادة إعمار منازلنا. ما زلنا حتى الآن عاجزين عن استيعاب ما جرى لنا.

لقد دمّر الإسرائيليّون عالمي. هدموا كلّ شيء من حولي وأبقوني وحيداً. عمليّاً هُم شطبوا عائلتي من سجلّ السكّان. لا يوجد من يعزّيني. أسرتي التي طالما حلمت بها لم يبق منها أحد يساندني في هذه المحنة. كنت أتخيّل مستقبل أولادي وآمل أن أوفّر لهُم كلّ ما يحتاجونه وأؤمّن لهم تعليماً جيّداً. كنت أحلم كيف سنلعب معاً ونتنزّه ونسافر سويّة وأرى نفسي سنداً لهُم أحيا بهم ولأجلهم. لكنّ هذا الحلم الجميل انتهى وانتهى كلّ شيء. جميعهم ذهبوا ولن يعودوا. لقد قتلوهم وقتلوني معهم. جعلوني بلا أمل وبلا مستقبل أعيش حياة لا طعم لها. لقد بذلت جهدي لأوفّر لهُم حياة طبيعيّة وحياة كريمة خيلة راحة واستقرار ولكنّني فشلت في حمايتهم حتى وهُم داخل منزلي، في المكان الذي يُفترض أنّه الأكثر أمناً لهُم ولي.

  • هذه الإفادة سجّلها محمد صباح في 6.6.21.
محمد العطّار على أنقاض منزله
Muhammad Mahmoud Hashem al-'Attar, 37
محمد العطّار

وجدنا زوجتي جثّة هامدة تحتضن جثامين أولادنا الثلاثة - كلّهم قد فارقوا الحياة! انهار عليهم الباطون والرّمل فاختنقوا فورًا. عندما نظرت إليهم بدوا لي كأنّهم نائمون وصعقتني صدمة هائلة عندما استوعبت أنّهم لا يتحرّكون ولا يتنفّسون، وبأنّهم باتوا جثثًا هامدة.

إفادة منار العطّار (40 عاماً) أمّ لخمسة أبناء وهي سلفة لمياء

البناية التي كنّا نقيم فيها مؤلّفة من ثلاثة طوابق وفي كلّ طابق شقّتان. سكّان البناية 29 شخصاً وكلّنا من العائلة نفسها. أنا وأسرتي كنّا نقيم في الطابق الثاني، ولمياء كانت تقيم مع أسرتها في الطابق الأوّل.

قبل أن تقصف الطائرات الإسرائيليّة منزلنا بيوم واحد كان أوّل أيّام العيد ونحن رغم الحرب والقصف حاولنا أن نُشعر الأولاد بفرحة العيد. ارتدى الصّغار ملابس العيد وكانوا مسرورين رغم أنّنا نحن الكبار كنّا قلقين وخائفين. في المساء اتّصلت منال شقيقة زوجي وقالت إنّها خائفة وتُريد أن تأتي إلينا وتبقى حتى انتهاء القصف. في العام 2009 قصفت إسرائيل منزلها واستُشهد آنذاك زوجها وأخواه الاثنين. قلنا لها “تعالي طبعاً. البيت بيتك”، وعندما جاءت سكنت في منزل سلفي محمد في الطابق الأوّل.

في يوم الخميس بعد منتصف اللّيل كنّا جميعاً في المنزل. في ذلك اليوم قصفت الطائرات الإسرائيليّة بشكل مكثّف. ذهب زوجي إيهاب إلى غرفة النوم وأنا بقيت في الصّالون مع الأولاد. كنت قد ناديت زوجي عند منتصف اللّيل تقريباً وقلت له أن يأتي ويجلس معنا في الصّالون. لحظة أن خرج من غرفة النوم قُصفت الغرفة. تحطّم زجاج نوافذ المنزل وانخلعت الأبواب ووقعت. أخذنا جميعاً نبكي ونصرخ وانتقلنا من الصّالون إلى المطبخ.

بعد ثوانٍ معدودة قال إيهاب “يبدو لي أنّ الأمر انتهى فقد ساد الهدوء” وفي هذه اللّحظة تمامًا شرع بيتنا يهتز ويتأجح فوقعت أرضاً. نظرنا إلى بعضنا البعض ولم نفهم ما الذي يجري. سقطت الثلّاجة على زوجي ثمّ سقط السّقف علينا وعلى الثلّاجة. تسرّب الغاز وأحسسنا بالاختناق. صرنا نصرخ ونستغيث لكنّ أحداً لم يسمعنا. أضاء زوج ابنتي مصباح هاتفه وقام وأغلق صمّام بالون الغاز. كان أولادي وبناتي يصرخون لأنّهم ظنّوا أنّ والدهم قد استُشهد. أمسكت بيد إيهاب وسألته إن كان بخير فأجابني أنّه بخير. طلب أن نخرج من المنزل أنا والأولاد ونتركه، لكنّني رفضت ذلك. اتّصلت ابنتي نور بالإسعاف والدّفاع المدنيّ وعندما لم يردّوا اتّصلتْ بأقاربنا ليأتوا ويُنقذونا.

بعد مضيّ رُبع السّاعة سمعت صُراخ بهاء سلفي (39 عاماً) ينادينا، وكانت بناتي يصرخن ردّاً عليه. جاء فورًا لإنقاذنا ومن ثمّ جاء سلفي تميم (30 عاماً) وأعان بهاء على إخراجنا من تحت الأنقاض. عندما أخرجوا جميع أبنائي وبناتي رفضت الخروج وأصرّيت على البقاء قرب زوجي. كان عالقاً تحت الثلّاجة ويصعب سحبه خاصّة وأنّنا خشينا أن ينهار السّقف عليه. حاول كلا سلفيّ طوال 45 دقيقة أن يُخرجاه وفي النهاية تمكّنا من ذلك بأعجوبة. لم يُصب منّا أحد وزوجي خرج سالماً والحمد لله.

عندما كنّا خارج المنزل وجّهنا المصابيح نحوه فرأينا كومة خراب. كنّا واثقين أنّ لمياء وأطفالها قد فارقوا الحياة. كان الجميع يبحث عنها بين الرّكام وعند السّاعة 1:00 بعد منتصف اللّيل قال سلفي بهاء إنّه رأى لمياء وأولادها تحت الأنقاض وقد استُشهدوا لكنّه لا يستطيع انتشالهم.

لمياء العطّار وأولادها.

نحو السّاعة 2:00 فجراً جاءت سيّارات الدّفاع المدنيّ والإسعاف فانتشلوا لمياء وأطفالها من تحت الأنقاض ونقلوهم إلى مستشفى كمال عدوان في شمال غزّة.

انتقلنا إلى مدرسة وكالة الغوث في حيّ الرّمال. خرجنا حُفاة وبملابسنا التي نرتديها وهذه حتى قد تمزّقت. وكنّا مصدومين وحزينين جدّاً ممّا جرى لنا. لم يكن في المدرسة ماء ولا طعام ولا فراش أو ملابس، لكنّها كانت أكثر أمناً من منازلنا.

لم نودّع لمياء وأطفالها إذ أخرجوهم من ثلّاجات الموتى مباشرة إلى المقبرة ولم يشيّعهم أحد سوى إخوة زوجي وبعض الأقارب. لا يمكن أن أصف لك إحساسي. لقد كان هذا أصعب موقف واجهته في حياتي. كنت أريد أن أودّعها. لم أصدّق أنّني فقدتهم وحتى الآن لا أستوعب ما جرى. كانت لمياء امرأة طيّبة جدّاً. كنت أحبّها وتقريباً لم نكن نفترق. أولادها كانوا دائماً في بيتي يلعبون مع ابني أحمد وهو الآن يسأل عنهم طوال الوقت ولا يصدّق أنّهم استُشهدوا. يريدنا أن ننتشلهم من تحت الأنقاض مثلما انتشلنا بعض الأثاث. حالته النفسيّة صعبة. في اللّيالي – عندما تنقطع الكهرباء – يأخذ في الصّراخ قائلاً إنّهم سوف يهدمون البيت فوق رؤوسنا وراجياً ألّا نتركه.

للمياء من زواجها الأوّل ابنة اسمُها سوزان. بعد أن فقدت والدتها صارت تأتي إلينا كثيراً. إنّها تبكي والحزن بادٍ في عينيها وأنا أواسيها وأقف بجانبها، نصطحبها معنا عندما نخرج للتنزّه، أقول لها إنّنا لن نتخلّى عنها أبداً وإنّها مثل أولادنا.

منزلنا الذي تهدّم أقمت فيه طوال 21 عاماً والآن أقيم في منزل ابنتي. لقد شقيت كثيراً لكي يكون لي بيت مُلكي. حرمت نفسي من أشياء كثيرة لكي أوفّر المال لأجل المنزل وفي لحظة واحدة تهدّم كلّ شيء. عثرت على بعض الوثائق والمصاغ ولكنّ الذكريات لا يمكن استعادتها. حياتنا الآن صعبة جدّاً ولا طعم لشيء فيها. أنمضي أنا والأولاد معظم الوقت في النوم لكي نهرب من التفكير بما جرى لنا. فقدان لمياء وأطفالها أمرٌ لا يمكن تحمّله. المنزل يمكن أن يعوّض ولكن لا يمكن إعادتهم للحياة فقد ذهبوا إلى غير رجعة.

الحياة يجب أن تستمرّ ونحن مجبرون على ذلك. أدعو الله أن يتغمّد لمياء وأطفالها برحمته ويصبّر زوجها على مُصابه. حالته النفسيّة سيّئة للغاية. لم أره يبكي. لا يزال مصدوماً ممّا حدث ولذلك لا يبكي، لكنّ الحُزن بادٍ في عينيه. أرجو أن يلهمه الله الصّبر والسّلوان.

  • هذه الإفادة سجّلتها ألفت الكُرد في 28.6.21.

يزعم جيش إسرائيل أنّ شبكة أنفاق حماس كانت تمرّ في جوار هذا المبنى.

Manar al-‘Attar, 40, mother of five, Lamyaa’s sister-in-law
منار العطّار

أنمضي أنا والأولاد معظم الوقت في النوم لكي نهرب من التفكير بما جرى لنا. فقدان لمياء وأطفالها أمرٌ لا يمكن تحمّله. المنزل يمكن أن يعوّض ولكن لا يمكن إعادتهم للحياة فقد ذهبوا إلى غير رجعة.