الجيش الإسرائيليّ أطلق صاروخاً وقتل طفلة في العاشرة كانت في طريقها إلى المنزل
اسم القتيلة

ديما عسليّة، 10 سنوات

إفادة سعد عسليّة (44 عاماً) وهو أب لثمانية بمن فيهم ديما

في يوم الأربعاء الموافق 19.5.21 نحو السّاعة 20:00 ذهبت ابنتي ديما (10 سنوات) إلى منزل شقيقتها ديانا (26 عاماً) لكي تجلب من عندها طنجرة الخبيز. كانت زوجتي قد عجنت واحتاجت الطنجرة لتخبز. يقع منزل ديانا على بُعد خمسين متراً من منزلنا. كنت أقف على سطح المنزل وقد رأيت ديما عائدة ومعها الطنجرة.

في تلك اللّحظة وقع انفجار قويّ خلف منزلنا. هناك أرض زراعيّة تقع على بُعد نحو عشرين متراً من المنزل وقد ظننت أنّ الصّاروخ سقط فيها. تعالت كتلة نار وغبار كبيرة ووقعت أرضاً من شدّة الانفجار. لم يخطر في ذهني للحظة أنّ الصّاروخ أصاب طفلتي.

اتّصلت فوراً بالدّفاع المدنيّ وأبلغتهم عن قصف حدث قُرب منزلنا وربّما سقط شهداء أو جرحى. نظرت إلى الشارع وأنا أصف لهُم كيفيّة الوُصول إلينا فرأيت جثّة على الأرض ولكن في هذه المرحلة لم أعرف من الذي استشهد. قلت لسائق سيّارة الإسعاف إنّ هناك جثّة تحت وطلبت منه أن ينتظر لحظة حتى انزل عن السّطح وأفحص من الشهيد. نزلت وأخذت أتقدّم باتجاه الجثّة وإذ هي ابنتي ديما! رأيت ابنتي جثّة هامدة! في هذه الأثناء جاء أشقائي والجيران ولكنّني كنت أوّل من وصل إليها.

من شدّة الصّدمة وقفت هناك دون أن أعرف ماذا أفعل. حتى بعد أن حملتها لم أعرف ماذا أفعل. أخذها أخي سعيد منّي وأدخلها إلى سيّارة أخي فتحي وانطلق بها إلى المستشفى وتوجّهت إلى المنزل لكي أخلي أسرتي منه لأنّني خشيت أن يحدث قصف ثانٍ. في هذه الأثناء وصلت سيّارة الإسعاف ثمّ غادرت لأنّه لم يسقط جرحى أو شهداء آخرون.

 

ديما عسليّة

هاتفني أخي سعيد من المستشفى الإندونيسي في شمال غزة وقال لي إنّ ديما وصلت إلى المستشفى ميتة. قال إنّها استشهدت. أخذت أبكي وأصرخ وأتلو آيات من القرآن. لماذا قتلوا ديما؟ كانت طفلة صغيرة تحمل طنجرة! هذه جريمة في حقّ طفلة بريئة. ديما كانت حياتي، كانت وردة البيت، أصغر أولادي. لقد أظلم المنزل من بعدها. كلّ طفل يدخل إلى منزلنا يذكّرني بها. كان الجميع يحبّونها – العائلة والجيران والأصدقاء.

جاءت اليوم مديرة مدرستها ومعلّماتها لكي يعزّونا وقد سلّمونا شهاداتها المدرسيّة. كان الجميع يبكي: المعلّمات وصديقاتها. أمسكت زوجتي بالشهادات واحتضنتها وهي تجهش بالبكاء. ليت ديما بقيت بيننا، تذهب إلى المدرسة وتجلب شهاداتها بنفسها.

  • هذه الإفادة سجّلتها ألفت الكُرد في 3.6.21

سعد عسليّة

في اليوم التالي دفنّا ديما وقد حملت جثمانها بنفسي. كانت تلك أقسى لحظات مرّت عليّ في حياتي.

إفادة عمّ ديما، سعيد عسليّة (41 عاماً) وهو أب لثمانية

في يوم الأربعاء الموافق 19.5.21 نحو السّاعة 20:00 كنت في منزلي وهو مجاور لمنزل أخي سعيد. فجأة سمعت انفجاراً قويّاً قرب المنزل. ظننت أنّه وقع في أرض زراعيّة قريبة منّا ولكنّ زوجتي قالت إنّ الصّوت أقرب من ذلك. فتحت الباب وإذ الغبار والرّمل يملآن المكان. خرجت مسرعاً من المنزل فوجدت أولاد إخوتي في الخارج. قالوا لي إنّ الصّاروخ أصاب حائط منزل عمّهم سعد، أخي. رأيت سعد يتحدّث عبر الهاتف مع سائق سيّارة الإسعاف ويقول له إنّه يعتقد أن إصابات وقعت جرّاء القصف. لم نكن نعرف من الذي أصيب.

كان سعد يسير أمامي وقبل أن نصل رأينا حائط منزله وقد تفجّر. عندما اقتربنا من الجثّة عرف سعد أنّها ديما رغم أنّه كان يصعب تمييزها بسبب الشظايا. حملها سعد لكنّه ظلّ واقفاً مكانه وقد تملّكته الصّدمة. لم يتحرّك ولم يتكلّم. لم يعرف ماذا يفعل. أخذتها منه وصرت أركض يميناً ويساراً لأنّني أنا أيضاً لم أعرف كيف أتصرّف. سعد ظلّ واقفاً – لا يؤتي حركة ولا ينبس بكلمة.

كانت سيّارة أخي فتحي متوقّفة قرب المنزل. أدخلت ديما إلى السيّارة وانطلقنا إلى المستشفى الإندونيسي في شمال غزّة. عندما وصلنا إلى المستشفى أدخلت ديما إلى قسم الطوارئ ووضعتها على سرير هناك. بدأ الأطبّاء في فحصها وبعد دقائق أعلنوا وفاتها وأدخلوها فوراً إلى ثلّاجة الموتى. أحسست بحُزن وألم شديدين. ديما كانت طفلة وهُم قتلوها بوحشيّة. ولكن بأيّ ذنب؟ ما هي الجريمة التي ارتكبتها ديما؟ لقد بكيتها بمرارة. إنّها لا تغيب عن بالي.

وصل أخي سعد إلى المستشفى وكان في حالة سيئة جدّاً. في اليوم التالي دفنّا ديما وقد حملت جثمانها بنفسي. كانت تلك أقسى لحظات مرّت عليّ في حياتي. أخي سعد لم يقدر أن يودّع ابنته. كان في صدمة تامّة ولم يعرف كيف يتصرّف.

قبل ساعة من استشهادها كانت ديما في منزلي لأنّ أختها ديانا كنّتي. رأيتها تغنّي وترقص مع البنات وحفيداتي. هذه كانت آخر مرّة رأيتها فيها. لم يخطر في ذهني أنّها سوف تستشهد بعد ساعة. ماذا فعلت ديما أصلاً للجيش الإسرائيليّ؟ بماذا أذنبت؟ لأجل ماذا كان يجب أن تُقتل بهذه الطريقة الوحشيّة؟

ديما كانت دائماً طفلة مرحة وذكراها مرتبطة عندي بشقاوتها. منذ أن استُشهدت غابت الفرحة من منازلنا – الأطفال لا يلعبون ولا يتجمّعون لكي يلعبوا معاً. الصمت والهدوء يعمان كل شيء. أدعو الله أن يصبّر أباها وأمّها ويُلهمهما القوة والسّلوان، وأرجو أن يجعلها طائراً في فردوسه.

  • هذه الإفادة سجّلتها ألفت الكُرد في 3.6.21

سعيد عسليّة

قبل ساعة من استشهادها كانت ديما في منزلي لأنّ أختها ديانا كنّتي. رأيتها تغنّي وترقص مع البنات وحفيداتي.

إفادة دنيا عسليّة (43 عاماً) والدة الطفلة ديما، وهي أمّ لثمانية

في يوم 19.5.21 وصلتنا الكهرباء في ساعات المساء وأردت اغتنام هذه الفرصة لإعداد الخبز. قمت بعجن الطحين وأردت استخدام طنجرة خبيز كهربائيّة أخرى لأستغلّ الوقت وأنهي خبز العجين قبل أن يقطعوا الكهرباء ثانية فأرسلت ابنتي ديما لكي تجلب الطنجرة من منزل شقيقتها التي تسكن بجوارنا. ذهبت ديما إلى هناك وفي يدها قطعة حلوى.

بعد مضيّ عشر دقائق سمعت انفجاراً قويّاً جدّاً قرب المنزل. تحطّم زجاج النوافذ في المطبخ أيضاً. خفت كثيراً. قلت “الآن سأخرج من المنزل وآخذ ديما إلى مدرسة وكالة الغوث” فاقترح زوجي أن نذهب إلى منزل أخيه قبل أن يقع هجوم ثانٍ. حين توجّهت لكي أرتدي ملابسي سمعت أحدهم يقول شيئاً بخصوص ديما. أسرعت أركض نحو الخارج فرأيت سيّارة تغادر المكان. قال لي زوجي سعد  وقد كان واقفاً هناك إنّ ديما استُشهدت. تهاويت منهارة من شدّة الصّدمة وصرت أتلو مردّدة “إنّا لله وإنّا إليه راجعون” وكان الجميع من حولي يدعو ويصلّي وأنا أبكي.

بقيت مستيقظة طوال اللّيل أدعو لديما بالرحمة وأصلّي لأجلها وأنا لا أصدّق ما حدث لها. كيف يُعقل أن تغيب عنّي ديما ولا أراها بجانبي إلى الأبد؟ عندما رأيت جثمانها لم أصدّق أنّ هذه ديما. كانت إصابتها بالغة ووجهها مشوّهاً. اشتعلت نيران في قلبي وأنا أقبّلها. أردت أن أحمل جثمانها وأريه للجميع الجريمة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي لأريهم ماذا فعلوا بها وكيف شوّهوها وكيف حرموني منها.

قبل استشهاد ديما بثلاث ساعات قالت لي إنّها تخاف من القصف. جلبت حقائبها وقالت إنّها تريد مغادرة المنزل إلى أحد الملاجئ التي فتحوها في المدارس. تحدّثت معي بعد أن أعدّت أغراضها واستعدّت للخروج. كانت خائفة جدّاً لأنّ القصف كان قريباً جدّاً وكانت تشاهد عبر هاتفها كلّ ما يحدث، المواطنين الجرحى والأطفال الذين استشهُدوا. أنا أيضًا كنت خائفة وكان لديّ رغبة في الاستجابة لطلبها لكنّ زوجي قال إنّ المدارس أيضاً ليست آمنة فقد لجأنا إلى هناك في حرب 2014 ولم تكن المدارس بيئة آمنة بل هُم جعلوها ضمن أهدافهم. كذلك كان المكوث هناك غير مريح بتاتاً لأنّ المدارس ليست معدّة لاستيعاب اللاجئين.

كانت ديما أصغر بناتي والوحيدة التي بقيت تعيش معنا في البيت بعد أن تزوّجت جميع أخواتها. هنّ أيضاً لا يصدّقن أنّ ديما قُتلت. زوجي رآها حين سقطت شهيدة وهو الآن يُمضي الوقت في النظر إلى صورها ويشتاق إليها كثيراً. ديما كانت أميرة حارتنا ومنذ وفاتها يسود الهُدوء الحيّ. تأتي إلينا بنات الجيران يوميّاً ويبكينها وأبكي أنا معهنّ. أقول لهنّ إنّ ديما موجودة الآن في مكان أفضل من عالمنا هذا، إنّها في الجنّة. حفيدتي رحاب (6 سنوات) تسأل عنها طوال الوقت ولا تفهم لماذا لم تعُد ديما بعد.

كلّ شيء في البيت يذكّرني بديما، ملابسُها والألعاب وحقيبتُها وكتُبها. في يوم توزيع الشهادات في المدرسة جاءت إلينا معلّماتها وزميلاتها لكي يكرّمنها في المنزل ويسلّمننا شهادتها. ليتها بقيت حيّة لتذهب إلى المدرسة وتتسلّم شهادتها بنفسها مثل بقيّة زميلاتها.

طوال الوقت أفكّر كيف تحمّلت الأوجاع وماذا حدث لها بالضّبط عندما أصابها الصّاروخ؟ هل تألّمت، هل نادتني مستغيثة بي أو بوالدها؟ ماذا فعلت في تلك اللّحظة؟ هذه الأسئلة لا تغادر ذهني. كأنّه كابوس لا أتمكّن من الاستيقاظ منه.

كانت ديما طفلة مرحة تحبّ اللّعب. كانت لها ابتسامة عريضة سحرت بها قلوبنا جميعاً. كانت كلّما عادت إلى المنزل تناديني وهي تركض إليّ ثمّ تحضنني وأحضنها. كنت أعطيها الحلوى دائماً وكانت تنام بجانبي وكنت أتحسّسها وهي نائمة لكي أطمئنّ أنّها بخير. لقد فقدتها إلى الأبد وفقدت ابتسامتها.

عندما أنظر عبر النافذة وأرى الأطفال يلعبون ينتابُني الألم وأجهش بالبكاء. أقول لنفسي: أين هي ديما الآن؟ لقد كانت تلعب هنا دائماً مع صديقاتها. لقد ذهبت ديما وتركتني. أسأل نفسي طوال الوقت هل يُعقل أن يأتي يوم وأنساها؟

لقد كانت ديما ضمن “بنك أهداف” الجيش الإسرائيلي. هذا هو بنك أهدافهم: طفلة صغيرة في أوّل حياتها.

  • هذه الإفادة سجّلتها ألفت الكُرد في 6.6.21

دنيا عسليّة

طوال الوقت أفكّر كيف تحمّلت الأوجاع وماذا حدث لها بالضّبط عندما أصابها الصّاروخ؟ هل تألّمت، هل نادتني مستغيثة بي أو بوالدها؟ ماذا فعلت في تلك اللّحظة؟ هذه الأسئلة لا تغادر ذهني. كأنّه كابوس لا أتمكّن من الاستيقاظ منه.