الجيش الإسرائيليّ أطلق صواريخ نحو بناية سكنيّة فقتل ثمانية أشخاص بضمنهم أربعة أطفال*

أسماء القتلى

زوج وزوجته

عبد الرّحيم محمد عبد الله المدهون، 63 عاماً
زوجته حليمة علي محمد المدهون، 66 عاماً

عائلة الطناني (الأهل)

الأب رأفت محمد إسماعيل الطناني، 39 عاماً
الأمّ راوية فتحي حسن الطناني، 35 عاماً

عائلة الطناني (الأبناء)

إسماعيل رأفت محمد الطناني، 7 سنوات
أمير رأفت محمد الطناني، 6 سنوات
أدهم رأفت محمد الطناني، 4 سنوات
محمد رأفت محمد الطناني، سنتان

إفادة طاهر المدهون (28 عاماً) خاطب - فقد في هذه الحادثة والده وزوجة والده الأولى

قبل أن تقصف إسرائيل منزلنا كنت أقيم في شقّة في بناية يقيم فيها والدي عبد الرّحيم (63 عاماً) وزوجته الأولى حليمة (66 عاماً) ووالدتي علياء (47 عاماً) وكانت هي الزوجة الثانية، وأختي مريم (25 عاماً). أما أخي قصي يدرس في مصر وأختي حنين متزوّجة.

منذ بداية الحرب في 10.5.21 كنّا نسمع طوال الوقت القصف الذي تقوم به الطائرات الإسرائيليّة ونسمع عن شهداء وجرحى. وحيث كانت منطقتنا هادئة نسبيّاً واصلت الذهاب إلى عملي كطبيب في المستشفى الإندونيسي ويبعد عن منزلنا 300 متر. وكنّا نتابع الأحداث ونسمع الأخبار طوال الوقت.

نحو السّاعة 23:30 في يوم 13.5.21 كنت جالساً في غرفتي وكانت والدتي وشقيقتي مريم في زيارة لشقيقتي حنين وهي أيضاً طبيبة وكانت حاملاً على وشك الولادة. بعد أكثر من ساعة سمعت أصوات أناس وصراخ في الخارج وحركة غير عاديّة في الشارع. توجّهت إلى النافذة المطلّة على الشارع الرئيسي في بيت لاهيا من الناحية الجنوبيّة فرأيت رجالاً ونساءً يركضون في الشارع وبعضهم يحمل ثياباً كأنّهم يفرّون من منازلهم. ذهبت فوراً وأيقظت والدي ثمّ أردت الخروج إلى الشارع لكي أتفقّد الوضع وأرى ما إذا كان يتوجّب علينا نحن أيضاً أن نغادر منزلنا. ما أن فتحت الباب حتى وقع انفجار قويّ وتهاوى الدّرج. عدت فوراً إلى داخل الشقّة. وقف أبي وزوجته حليمة خلفي. علقنا داخل الشقّة.

ظننت أنّ القصف انتهى ولكنّ صاروخاً آخر سقط بعد لحظات فتهاوى فوقنا الباطون والجدران. صرنا نردّد الشهادتين. وقع عليّ الباب وحماني من الرّكام والباطون. كان والدي وزوجته بجانبي والرّكام يغطّيهما تماماً. في البداية كنت أسمع صوت والدي ثمّ صمت بعد دقيقتين. قالت لي زوجته حليمة إنّه قد فارق الحياة.

تمكّنت من الاتّصال بابن عمّي فاستدعى الدّفاع المدنيّ وأبلغهم عن قصف منزلنا فجاءوا بعد نصف السّاعة تقريباً. سمعناهم يسألون هل يوجد هنا أحياء. أجبتهم نعم وقلت لهم إنّنا لا نستطيع أن نتنفّس بسبب الرّكام والدّخان والغبار. مرّت ساعة حتى تمكّنوا من الوصول إليّ حاملين أنبوب أكسجين فتمكّنت من التنفّس، وثلاث ساعات أخرى حتى تمكّنوا من انتشالي. تمّ نقلي إلى المستشفى الإندونيسي حيث أجريت لي فحوصات وصور أشعّة فتبيّنت لديّ كسور في أربعة أضلاع وتمزّق في الرّئة اليمنى ودم في غشاء الرّئة إضافة إلى كدمات ورضوض وخدوش في كلّ أنحاء جسمي. كذلك بيّنت الفحوصات تمزّقاً في العضلات. رقدت في قسم العناية المكثفة لمدّة أسبوع.

لقد دمّر قصف منزلنا حياتي. أشعر بحُزن عظيم على والدي. كنت غائباً عنه طيلة سبع سنوات حيث درست الطبّ في مصر ولم تمض سنة بعد على عودتي. غادرت المستشفى إلى منزل عمّي رزق المدهون في بيت لاهيا. ما زلت أعاني جرّاء الكدمات والكسور في الأضلاع.  من الصّعب عليّ جدّاً مجابهة هذا كلّه نفسيّاً. كان يُفترض أن أتزوّج بعد عيد الفطر وقد أعددت منزل الزوجيّة. كنت أعمل مع والدي كلّ يوم على إعداد المنزل والتحضيرات لحفل العُرس، وفي النهاية ألغيت الحفل.

لقد خسرنا كلّ شيء. المنزل الذي بنيته لي كلّفني عشرين ألف دولار وقيمة بقيّة المنازل التي تهدّمت تبلغ نحو 150 ألف دولار. كانت في مخازن والدي بضاعة تقدّر قيمتها بآلاف الدولارات وكلّها دُمّرت. جميع شهاداتنا المدرسيّة وشهاداتنا الجامعيّة وشهادات الامتياز والصّور الشخصيّة وفيها حياتنا كلّها ضاعت برمّتها. دُمّرت ثلاثة حواسيب متنقّلة كانت تحوي صوراً من أيّام دراستنا في مصر أنا وإخوتي وهذه كلّها ضاعت للأبد، وغير ذلك. لقد دمّروا لنا كلّ شيء. نحن الآن مجرّدون من كلّ شيء.

جميع أفراد عائلتي نزحوا وتشتّتوا. نحن الآن نبحث عن شقق لنستأجرها ونسكن فيها. نشتري ملابس جديدة وأثاثًا جديدًا وكلّ هذا يكلّف المال الكثير. نحن نعيد بناء حياتنا من جديد وفي هذا مرارة وصعوبة شديدة. لقد فقدنا والدي وزوجته والبناية التي كانت تجمعنا وقد بنيناها حجراً حجراً. دمّروها خلال دقيقة واحدة و”بكبسة زرّ”.

  • هذه الإفادة سجّلها محمد صباح في 29.5.21.
Taher al-Madhun, 28, whose father and his first wife were killed in the incident:
طاهر المدهون

ما أن فتحت الباب حتى وقع انفجار قويّ وتهاوى الدّرج. عدت فوراً إلى داخل الشقّة. وقف أبي وزوجته حليمة خلفي. علقنا داخل الشقّة. ظننت أنّ القصف انتهى ولكنّ صاروخاً آخر سقط بعد لحظات فتهاوى فوقنا الباطون والجدران.

رأفت الطناني وأولاده إسماعيل وأدهم وأمير ومحمد
ראוויה פתחי חסן א-טנאני, בת 35
راوية الطناني

إفادة حاتم الطناني (30 عاماً) أب لطفلين. فقد جرّاء هذا القصف أخاه وزوجة أخيه وأولادهما الأربعة

كان أخي وعائلته يقيمون في الطابق الثالث في بناية مؤلّفة من ثلاثة طوابق. في يوم الخميس كنت في ضيافة أصدقائي في مخيّم جباليا وقُبيل منتصف اللّيل هاتفني رأفت صديق أخي وطلب أن أتّصل برأفت. لقد خشي أن يكون قد حدث له مكروه لأنّ القصف طال كلّ قطاع غزّة في ذلك الوقت. اتّصلت فوراً برأفت أخي وعندما ردّ عليّ أخذ يصرخ مستغيثاً “الحقونا! أنقذونا!”. نهضت فوراً وركضت نحو منزله وأنا أواصل الحديث عبر الهاتف. قلت له “لا تقلق، سأكون عندك بعد ثوانٍ” وعاد يصرخ ويستغيث. في وسط الطريق سمعت عدّة انفجارات قويّة جدّاً وانقطع الاتّصال برأفت. عاودت الاتّصال به لكنّه لم يردّ.

حين وصلت إلى مسجد الرّباط الذي يقع على بُعد 500 متر من البناية التي يقيم فيها رأفت كان الغبار يملأ المكان فخلعت قميصي ولففته حول وجهي لكي أتمكّن من مواصلة الطريق. عندما اقتربت رأيت البناية كلّها وقد تحوّلت إلى رُكام وحجارة.

تقدّمت نحو البناية فيما كان الناس يفرّون من هناك. تجاوزتُهم ووقفت فوق الأنقاض لكنّني لم أميّز منزل أخي لأنّ كلّ شيء كان مهدّماً. سمعت أصواتاً من تحتي. عندئذٍ جاء عدد من المسعفين وطواقم الدّفاع المدنيّ وكلّ من وُجد هناك ساعدهم في العثور على الناجين العالقين تحت الأنقاض، وشرعت بدوري أفتّش أيضاً. عثرنا على عائلة الملفوح، وكانوا ستّة أشخاص. انتشلناهم وكان وضعهم جيّداً. سمعت أصواتاً أخرى وشعرت بالاطمئنان إذ قلت ربّما هؤلاء أخي رأفت وأولاده ثمّ تبيّن أنّهم أبناء عائلة المدهون. كان هناك شهيدان.

عند السّاعة 3:30 فجراً أوقفنا عمليّة البحث وابتعدنا مسافة عشرة أمتار من هناك. تحدّثت مع طواقم الدّفاع المدنيّ قلت لهُم إنّ أخي وزوجته وأبناؤهما لا يزالون تحت الأنقاض. أخذت أبحث عنهم في الحقول الزراعيّة المجاورة للبناية ولكنّني لم أعثر على أحد.

ذهبت إلى ثلاث مستشفيات في المنطقة لعلّي أجد أخي وأسرته ولكنّهم لم يكونوا في أيّ منها. تحدّثت مع والديّ وقلت لهُم إنّ كلّ شيء على ما يُرام وإنّ رأفت بجانبي وهو بخير. عند السّاعة 5:00 صباحاً توجّهت إلى منزل شقيقتي أسماء (36 عاماً) وهو قريب من منزل رأفت. عندما رأتني لم تتمكن تقريبا من التعرّف عليّ لأنّني كنت منهكاً غاية الإنهاك ويغطّيني الغبار والأوساخ. لم أقل لها إنّ رأفت قد استُشهد. فقط قلت لها أن تصلّي لأجله ولأجل عائلته.

في الصّباح عُدت إلى حيث أنقاض منزل رأفت وبحثت عنهم في كلّ مكان ولكن دون فائدة. رجعت إلى منزل والديّ ولم أقل لهُم إنّ رأفت وعائلته في عداد المفقودين. تناولنا الفطور ثمّ ذهبت مجدّداً إلى حيث أنقاض منزل رأفت فوجدت هناك أقارب لي. كنت مُرهقاً جسديّاً ونفسيّاً فجلست بعيداً عن المنزل وهاتفت الدّفاع المدنيّ ومن ثمّ جاءوا مع معدّات خاصّة للعثور على الجثث وأخذوا يعملون هناك. كنت مع أصدقائي وأخذت أبحث معهم ومع الجيران عن الجثث.

كنّا هناك طوال اليوم وحتى منتصف اللّيل. آنذاك عثرنا على الجثث. حين انتشلوا جثّة أمير ابن أخي رأفت حملته ووضعته في سيّارة الإسعاف. بعد ذلك انتشلنا محمد ثمّ إسماعيل وآخيراً أدهم. وجدنا رأفت يحتضن إسماعيل وأمير وكانت راوية زوجته تحتضن محمد وأدهم. من ثمّ انتشلنا جثّة راوية وكانت عبارة عن أشلاء. جلبت قطعة قماش وأخرجناها. راوية كانت حاملاً في الشهر السّادس. أدخلتها إلى سيّارة الإسعاف. في النهاية انتشلنا جثّة رأفت على مرحلتين لأنّها أيضاً كانت أشلاء ومن ثمّ نُقلوا جميعاً إلى المستشفى الإندونيسي.

في اليوم التالي توجّهت إلى المستشفى مع والدي. حين شرع الطاقم الطبّي يجهّز جثامين رأفت وأسرته أردت أن أساعدهم فتناولت أشلاء رأفت ولففته ثمّ فعلت الشيء نفسه مع جثامين أطفاله، وجمع والدي أشلاء راوية ولفّها. كنت أمسك بأشلاء جثث الشهداء وأردّد “ألله أكبر، ألله أكبر”.

نقلنا الجثامين إلى سيّارة الإسعاف وتوجّهنا بها إلى المنزل. وضعت جثامين راوية والأطفال أمام والدتي وأخواتي، ولكنّني لم أستطع فعل ذلك مع جثمان رأفت فأبقيته سيّارة الإسعاف وجلبت إليه والدتي لكي تودّعه. كانت تصرخ وتبكي بحيث يصعب وصف حالها. في تلك اللّحظات تمالكت نفسي وظللت متماسكًا لكي لا تنهار عائلتي وخاصّة أبي وأمّي.

ذهبت إلى المقبرة وبقيت العائلة في المنزل. دفنت جثمان محمد إلى جانب جثمان والدته وجثمان أدهم إلى جانب جثمان والده وجثماني إسماعيل وأمير معاً. عدت إلى المنزل غارقًا في كتلة من الحُزن. تمنّيت البكاء ولكنّني لم أستطع ذلك. لقد فقدنا أسرة بأكملها دون أن ترتكب أيّ ذنب. قصفهم الجيش الإسرائيليّ وحوّلهم إلى أشلاء.

كان رأفت أخانا الأكبر وكان يحسن معاملتنا دائماً. كان إنساناً دمثاً وأسرته كانت أسرة جميلة ومتواضعة. كنّا نحبّهم بشكل لا يمكن وصفه. كان أولاده يأتون إلينا كلّ يوم إذ أحبّوا قضاء الوقت مع جدّهم وجدّتهم. كان رأفت معطاءً إلى أبعد الحدود وكان يساعد والدينا ولم يحدُث أن قال لهُم “لا” أبداً.

  • هذه الإفادة سجّلتها ألفت الكُرد في 18.6.21.

في مبنىً مجاور يقيم ناشط في الذراع العسكريّ لحركة حماس، ولا يُعلم ما إذا كان هذا سبب قصف البناية، علماً أنّه لم يكن في منزله حين وقوع القصف.

Hatem a-Tanani, 30, father of two who lost his brother, sister-in-law and four nephews in the incident
حاتم الطناني

كنّا هناك طوال اليوم وحتى منتصف اللّيل. آنذاك عثرنا على الجثث. حين انتشلوا جثّة أمير ابن أخي رأفت حملته ووضعته في سيّارة الإسعاف. بعد ذلك انتشلنا محمد ثمّ إسماعيل وآخيراً أدهم. وجدنا رأفت يحتضن إسماعيل وأمير وكانت راوية زوجته تحتضن محمد وأدهم.