الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف مدفعية نحو منازل السكّان فقتل ستّة منهم، بضمنهم ثلاث أخوات وطفل رضيع كان يبلغ 9 أشهر

أسماء القتلى

الأخوات الثلاث

صابرين ناصر محمد أبو فارس - أبو ديّة، 27 عاماً
وابنها: محمد سلامة محمد أبو ديّة، 9 أشهر
نسرين ناصر محد أبو فارس، 25 عاماً
فوزيّة ناصر محمد أبو فارس، 17 عاماً 5

جاراهنّ

نعمة صالح سلامة عيّاش، 47 عاماً
هاشم محمد عايد علي الزغيبي، 20 عاماً

إفادة ناصر أبو فارس (50 عاماً) وهو أب لـ12 ابناً وابنة فقد ثلاثاً من بناته وحفيده الرّضيع

أنا متزوّج من امرأتين ولكنّني أقيم معظم الوقت مع زوجتي الأولى مدلّلة وأولادنا: نسرين (25 عاماً) وإسراء (18 عاماً) وفوزيّة (17 عاماً) وغزل (12 عاماً) ورمزي (30 عاماً) ومجدي (22 عاماً) وعمران (20 عاماً) ومحمد (11 عاماً). في منزل آخر على بُعد نحو 300 متر تقيم عائلتي الأخرى: زوجتي زينات (34 عاماً) وأولادنا الثلاثة – حمزة (6 سنوات) وملك (5 سنوات) وسيف (3 سنوات).

عندما اندلعت الحرب صرنا نسمع دويّ الانفجارات والقصف في شمال القطاع. نحن نقيم قرب الحدود لكنّ القصف لم يكن قريباً منّا وعليه فقد واصلنا حياتنا كالمعتاد.

في يوم الخميس الموافق 13.5.21 كنت جالساً عند الجيران  وعند السّاعة 18:30 سمعت فجأة صوت سقوط قذيفتين مدفعيتين. لا أعرف أين سقطتا ولكنّني رأيت دخاناً يتعالى من منزلي الأوّل. ركضت مسرعاً إلى هناك مع أصدقائي وقبل أن نصل سقطت بالقرب منّا قذيفة ثالثة. دخلت إلى منزلي ولكن لم أرَ من أصيب من عائلتي لأنّ المنزل كان مليئاً بالدخان والغبار. سمعت جيراني يقولون إنّ قذيفة أخرى سقطت على منزل جيراننا عائلة عيّاش. قالوا إنّ نعمة عيّاش قد استُشهدت وإنّ قذيفة أخرى سقطت على الشارع وأصيب جرّاءها شخص اسمه هاشم الزغيبي.

واصلت البحث داخل المنزل فوجدت بناتي وكانت أجساد بعضهنّ أشلاء. وجدت أبنائي جرحى والدّماء في كلّ مكان. إثر هذه المشاهد فقدت الوعي لعدّة دقائق. بعد أن أيقظني الجيران تبيّن لي أنّ بناتي صابرين (27 عاماً) ونسرين وفوزيّة وحفيدي الرّضيع محمد أبو ديّة ابن صابرين (9 أشهر) قد استُشهدوا. صابرين لا تقيم عندنا فهي قد تزوّجت وتقيم مع زوجها لكنّها أتت لزيارتنا في ذلك اليوم.

ناصر أبو فارس على أنقاض منزله

وصلت سيّارة إسعاف ونقلتهم جميعاً إلى المستشفى الإندونيسي. تبعتُهم في سيّارتي – وقد تضرّرت أيضاً جرّاء القصف، وفي الطريق كنت أرى الناس ينزحون عن منازلهم بسبب القصف ويغادرون المنطقة.  

وصلت إلى المستشفى بشق الأنفس إذ كان عليّ أن أتعرّف على جثامين بناتي. سألت أحد الأطبّاء أين هنّ فقادني إلى ثلاجات الموتى لكي أتعرّف عليهنّ. صرت أبحث في داخل الثلّاجة أقلّب قطع الأجساد والملابس. جاء إلى ثلاجة الموتى طبيب وأخذ يجمع ويرتّب قطع أجساد بناتي لكي أتمكّن من التعرّف عليهنّ. كان الموقف فوق حدود الاحتمال. لم أتحمّل ذلك وخاصّة عندما كان الطبيب يرتّب قطع أجسادنّ قطعة قطعة لكي أستطيع التعرّف على بناتي وحفيدي الرّضيع.

في اليوم التالي شيّعنا جثامين شهدائنا بحضور عدد من الأقارب والجيران. لم تكن تلك جنازة كالمعهود، لأنّ الجميع كانوا خائفين من القصف. كان الجوّ مُرعباً إذ لم تتوقّف القذائف. ابنتي إسراء لم تشارك في الجنازة لأنّها كانت ترقد قيد العلاج في المستشفى، ولا تزال في قسم العناية المكثّفة، حيث أصيبت في الصدر والرأس والظهر والرجلين.

بعد مغادرة المستشفى نزحت مع من تبقّى من أفراد أسرتي إلى مدرسة الخليفة في بيت لاهيا. منزلنا كان مهدّماً ولا مكان نرجع إليه ونحن في الواقع خفنا من العودة إلى هناك حيث الدّماء وقطع اللّحم لا تزال على الجدران. في المدرسة مرّت علينا أيّام صعبة إذ لم يتوفر طعام ولا شراب ولا فراش وفي حالتنا هذه لا نملك أن نشتري الطعام والشراب. كذلك لم تكن معنا ملابس لنستبدل ما علينا. انتهت الحرب في يوم الجمعة وعندئذٍ استأجرت منزلاً وانتقلت إليه مع عائلتي. الذي حدث لنا لم يكن ليخطر في بالي أبداً أنّني سأفقد بناتي بهذا الشكل.

  • هذه الإفادة سجّلها محمد صباح في 25.5.21.

Naser Abu Fares, 50
ناصر أبو فارس

واصلت البحث داخل المنزل فوجدت بناتي وكانت أجساد بعضهنّ أشلاء. وجدت أبنائي جرحى والدّماء في كلّ مكان. إثر هذه المشاهد فقدت الوعي لعدّة دقائق.

إفادة إسماعيل عيّاش (50 عاماً) وهو شقيق نعمة:

كنت أقيم مع زوجتي في الطابق الأرضيّ ووالدتي تقيم بجوارنا في منزل من الصّفيح، وكنت قد باشرت بناء طابق آخر فوق منزلي. هناك بيت درج داخلي يوصل إلى الطابق العلويّ لكنّه لم يجهز بعد للسّكن فيه.

عندما بدأت الحرب بقينا في منزلنا واستمرّ كلّ شيء كالمعهود سوى دويّ القذائف وأزيز الطائرات وهدير الدبّابات والسّفن التي كانت تقصف شمال قطاع غزّة. كلّ سكّان القرية واصلوا حياتهم كالعادة ولم يتركوا منازلهم لأنّنا قريبون من الحدود ولا توجد في هذه المنطقة نقاط عسكريّة لحركة لحماس.

نحو السّادسة والنصف من مساء الخميس الموافق 13.5.21 كنت في منزلي مع والدتي حمديّة (75 عاماً) وشقيقتي نعمة (42 عاماً) وشقيقتي المتزوّجة سارة وقد جاءت لزيارة والدتي بمناسبة العيد. وكانت عندنا أيضاً جارتنا جميلة الزغيبي وكنّتها. كنّ يجلسن جميعهنّ في الحديقة وأنا كنت في المنزل. كان ذلك أوّل أيّام عيد الفطر.

فجأة سمعت انفجارات متواصلة ورأيت دخاناً وغباراً ولهيب نيران كما سمعت صراخاً وأصوات تكسّر زجاج نوافذ. ركضت نحو الحديقة لكي أطمئن على والدتي وأخواتي فوجدت ركاماً في بيت الدّرج. ظننت أنّ ذلك كان صاروخًا تحذيريًا وفوراً أدخلت الجميع إلى المنزل. دخلت شقيقتي نعمة إلى منزلي وصعدت الدّرج إلى الطابق الأوّل. دخلت شقيقتي سارة وجارتنا جميلة وكنّتها بينما كنت أعين والدتي على الدّخول.

في تلك اللّحظة سمعت مرّة أخرى ثلاثة انفجارات متواصلة فأسرعنا إلى مغادرة منزلنا المنهار بعد أن أخذت معي بعض الوثائق الشخصيّة. عندما خرجت إلى الشارع وجدته مليئاً بالأنقاض وكتل الباطون. سمعت صراخاً وبكاءً ورأيت جرحى مطروحين أرضاً والشارع مدمّرًا تماماً تملؤه الدّماء ويعلوه الغبار والدّخان – مشاهد لا يمكن تحمّلها. وكانت هناك أيضاً سيّارات إسعاف وطواقم الدّفاع المدنيّ. فررت من المكان وأنا أمسك بوالدتي. مشينا مسافة مئة متر تقريباً حتى وصلنا إلى سيّارة الإسعاف لأنّهم لم يتمكّنوا من الوصول إلى مدخل منزلنا.

إسماعيل عايش على درج منزله

أدخلوني إلى سيّارة الإسعاف مع والدتي وزوجتي وأخذونا إلى المستشفى الإندونيسي. لم أر شقيقتي نعمة ولم أعرف ماذا جرى لها وخمّنت أنّها تمكّنت من الفرار. رأيت شقيقتي سارة وجارتنا جميلة وكنّتها أثناء فرارهنّ من المكان. رأيت منزل ناصر أبو فارس المجاور لمنزلنا مهدّماً تماماً تجري محاولات انتشال الجثامين من بين أنقاضه.

بحثت في مختلف أقسام المستشفى عن شقيقتي نعمة طوال ساعة ونصف السّاعة، وفي النهاية وجدتها في ثلّاجة الموتى وقد توفّيت جرّاء إصابتها بشظايا عندما كانت في بيت الدّرج. سمعت أنّ هاشم الزغيبي قُتل في هذا القصف جرّا شظايا قذيفة سقطت عند مدخل منزله. سمعت لاحقاً أن ناصر أبو فارس فقد ثلاثاً من بناته وحفيده.

خرجنا من المستشفى الإندونيسي إلى مدرسة خليفة في مشروع بيت لاهيا. وصلنا إلى المدرسة دون أيّ شيء سوى الملابس التي نرتديها. مرّت علينا أربعة أيّام في ظروف صعبة وكنّا نجلس على الأرض وننام على الأرض حتى تبرّع بعض الناس بفراش وبطّانيّات. لم يكن لدينا ما نأكل ونشرب وكانت الفوضى عارمة. لم يكن على وجوه الناس سوى الألم والاكتئاب والحزن على من قضوا تحت الأنقاض ومن جُرحوا والمنازل التي هدّمتها القذائف. هذا كلّه حدث لنا ونحن داخل منازلنا في أوّل أيّام العيد.

  • هذه الإفادة سجّلها محمد صباح في 28.5.21.

Isma’il ‘Ayash, 50, whose sister Ni’mah who was killed in the incident
إسماعيل عيّاش

عندما خرجت إلى الشارع وجدته مليئاً بالأنقاض وكتل الباطون. سمعت صراخاً وبكاءً ورأيت جرحى مطروحين أرضاً والشارع مدمّرًا تماماً تملؤه الدّماء ويعلوه الغبار والدّخان - مشاهد لا يمكن تحمّلها.